في بيوتنا السورية القديمة، لم تكن الجدران هي التي تفصل بين الجيران، بل كانت الأبواب المفتوحة هي التي تجمعهم. هناك مصطلح سوري أصيل، يتجاوز كونه مجرد فعل "إطعام"، إنه "السكبة". تلك العادة التي تجعل من صحن "المجدرة" أو "الكبة" يسافر من بيت إلى بيت قبل أن يبرد، محملاً ليس فقط برائحة البهارات، بل بدفء المودة.
هل تذكرون ذاك الصحن الذي كان يدور في الحارة؟ يخرج من بيت "أم محمد" مملوءاً بالبرغل بفول، ليعود إليها من بيت "أبو فادي" مملوءاً بالفاكهة أو بصنف آخر من الطبخ. الصحن نفسه كان يصبح "سفيراً" دبلوماسياً يحل الخلافات ويمتن الروابط.
اليوم، ونحن نكتب عبر شاشات باردة في "سيريا توك"، ونحن الموزعون في أصقاع الأرض، نفتقد لهذا الصحن أكثر مما نفتقد للطعام نفسه. المغترب السوري يطبخ "المقلوبة" في مطبخه في ألمانيا أو السويد، ويشعر بغصة لأن الصحن سيبقى في بيته، لن يطرق أحد الباب ليقول له: "سلم دياتك.. سكبتك وصلت". لقد تحولت السكبة في زمننا الحالي إلى "صورة" نرسلها عبر الواتساب، لكن طعم المشاركة الحقيقي لا ينقل عبر البكسلات.
ما يميز "المنطق البشري" في علاقاتنا السورية هو هذا الاندماج العفوي. نحن شعب لا يعرف كيف يأكل وحده. حتى في أقصى ظروف الشدة، تجد السوري يقتسم رغيفه مع عابر سبيل. هذه الروح هي ما نحاول أن نحافظ عليه هنا. "سيريا توك" ليست مجرد مدونة، هي "سكبة" فكرية، مقال يخرج من قلب كاتب ليجده قارئ آخر في طرف العالم، فيشعر للحظة أنه لا يزال هناك، في تلك الحارة، بانتظار طرق الباب وصوت جارته وهي تقول: "تفضلوا.. هي سكبة اليوم".
فلنحافظ على "السكبة" في أحاديثنا، في تعاملنا، وفي كتاباتنا. فالبرد الحقيقي ليس برد الشتاء، بل هو برد القلوب التي توقفت عن مشاركة "صحن" المحبة مع الآخرين.
