"البالة".. حيث تتساوى الجيوب وتلتقي الأناقة بالصدفة

سوق ملابس بالة

في سوريا، وتحديداً في شوارع "البالة" الممتدة من دمشق إلى حلب واللاذقية، يختفي المنطق التجاري التقليدي ليحل محله منطق إنساني فريد: "منطق اللقطة". هنا، لا يُقاس ثمن القطعة بماركتها العالمية فحسب، بل بمدى صبرك وقدرتك على "النبش" بين أكوام القماش لتستخرج كنزاً مخفياً.

لقد تحولت "البالة" في السنوات الأخيرة من ملجأ لذوي الدخل المحدود إلى "ترند" يرتاده الجميع؛ من الطالب الجامعي الذي يبحث عن جاكيت "فنتج" (Vintage) يميزه، إلى الموظف الذي يريد قميصاً بجودة لا يقدر عليها السوق الجديد، وصولاً إلى الطبقات الميسورة التي تبحث عن ماركات عالمية أصلية لا تدخل البلاد إلا عبر هذه البالات.

"المنطق البشري في سوق البالة هو منطق المغامرة. أنت لا تدخل المحل لتبحث عن مقاسك، بل القطعة هي من تختارك!"

هناك لذة لا توصف في العثور على معطف شتوي ثقيل بسعر زهيد، أو حذاء رياضي أصلي "ما انلبس غير مرتين". السوريون طوروا ثقافة كاملة حول هذا الموضوع؛ فهم يعرفون مواعيد "فتح البالات" (البالة الجديدة)، ويملكون حساً سادساً في تمييز القماش الجيد من نظرة واحدة، بل وأصبح لديهم خياطون متخصصون في "تعديل" قطع البالة لتصبح وكأنها فُصّلت خصيصاً لهم.

لكن أعمق ما في البالة هو الجانب الاجتماعي. في تلك المحلات الضيقة، يتساوى الجميع. تجد الطبيب والمهندس يقفون جنباً إلى جنب مع العامل والبائع، والكل يفتش في نفس "الستاندات". تختفي الفوارق الطبقية أمام "لقطة" فريدة. وهناك دائماً ذاك البائع "الحرّيف" الذي يعرف زبائنه بالاسم، ويخبئ لزبونه المفضل "قطعة من تحت لتحت" لأنه يعرف ذوقه.

البالة في سوريا ليست مجرد تجارة ثياب مستعملة؛ إنها درس في الاستدامة والذكاء والقدرة على عيش حياة أنيقة رغم كل الضغوط الاقتصادية. هي تعبير عن روح السوري التي تأبى إلا أن تكون "مرتبة" ومهندمة، حتى لو كان الثمن هو رحلة بحث طويلة في أكوام من الملابس القادمة من خلف البحار.

نحن في "سيريا توك" نرى في "البالة" انعكاساً لنا؛ نحن أيضاً ننبش في ركام الأيام، نبحث عن الذكريات الجميلة، عن المواقف الأصيلة، ونعيد تدوير الأمل لنلبسه في كل صباح جديد. فالحياة، تماماً كالبالة، تحتاج إلى "طولة بال" وعين خبيرة لترى الجمال المختبئ في الزوايا المنسية.

```