"تحت السقف المعدني".. حين يتحدث الحجر بلهجة شامية

سوق الحميدية الدمشقي

بمجرد أن تطأ قدماك بداية "سوق الحميدية"، يختفي منطق الضجيج الخارجي ليحل محله منطق آخر؛ هو منطق "الأسواق المسقوفة". هنا، السقف المعدني المخرم بطلقات التاريخ ليس مجرد غطاء للرأس، بل هو "منخل" يمرر أشعة الشمس على شكل خيوط ذهبية ترسم فوق وجوه العابرين ملامح من زمن غابر.

"في منطقنا البشري السوري، الحميدية ليست مجرد مكان للبيع والشراء، إنها جامعة شعبية. صوت بائع عرق السوس يمتزج مع نداء بائع الأقمشة في هارموني يخبرك أن دمشق لا تزال بخير."

أجمل ما في الحميدية هو تلك البرودة المفاجئة التي تستقبلك في الصيف، برودة الحجر التي لا تعرفها المكيفات الحديثة. الحجر هنا "ذكي"، يمتص حرارة الأيام ويخزن برودة الليالي ليوزعها علينا بالعدل. والناس هنا أيضاً يتبعون منطق الحجر؛ صلبون في الأزمات، لكن قلوبهم رطبة ومرحبة بكل غريب.

اليوم، ونحن في "سيريا توك" نحاول أن ننسج خيوط التواصل، ندرك أننا نحتاج لروح "الحميدية" في حواراتنا. نحتاج لتلك السعة التي تستوعب الجميع؛ من بائع "البوظة العربية" (بكداش) بصوت دقاته الرخامية، إلى بائع "الأغباني" و"الموزاييك". الحميدية علمتنا أن الجمال يكمن في التراكم، وفي التنوع، وفي القدرة على الصمود تحت سقف واحد رغم كل الثقوب.

نحن نبحث عن ذلك الشعور الذي يغمرك حين تصل إلى نهاية السوق وتنبثق أمامك "الجامع الأموي" بهيبته وسكينته. هذا الشعور بالوصول هو ما نرجوه لكل قارئ في مدونتنا؛ أن يمر عبر حكايا التاريخ، ويسمع أصوات الناس، ليصل في النهاية إلى يقين بأن "الشام" ليست مجرد مدينة، بل هي فكرة إنسانية لا تموت.

```