في العمارة، يُقال إن السقف يحمينا من المطر، لكن في "المنطق السوري"، البحرة هي التي تحمينا من ضجيج العالم. ليست "البحرة" مجرد حوض ماء يتوسط الدار، بل هي اختراع سوري بامتياز لترويض حرارة الصيف وتهدئة حرارة الروح. إنها المكان الذي تقرر فيه الشمس أن تستريح قليلاً فوق سطح الماء قبل أن تكمل رحلتها خلف جدران الياسمين.
هل فكرتم يوماً لماذا كان السوريون يضعون البطيخ والفاكهة في مائها؟ لم يكن الأمر مجرد تبريد، بل كان طقساً من طقوس البركة، حيث يمتزج رزق الأرض بعطاء السماء. في "سيريا توك"، ونحن نستحضر هذا المكان، ندرك أن البحرة كانت "الميزان النفسي" للعائلة. حين كان يشتد التوتر، كان الجلوس على حافتها كفيلاً بإعادة الهدوء.
وحين كانت "السكبة" تدور بين الجيران، كان لا بد لصحن الفاكهة أن يمر بماء البحرة ليأخذ برودتها قبل أن يُهدى للجار. البحرة هي التي علمتنا أن الحياة يجب أن تكون "جوانية"، أي أن الجمال الحقيقي يُحفظ للداخل، للأحبة، ولأهل البيت، بعيداً عن أعين الغرباء وضوضاء الشوارع.
اليوم، ونحن الموزعون في شقق إسمنتية صماء حول العالم، نفتقد لصوت الماء الذي يكسر صمت الوحدة. نفتقد لرائحة "الرخم" المبلل (نوع من الرخام) حين كانت الأم ترشه بالماء في ظهيرة تموز. لقد تحولت البحرة في ذاكرتنا من حجر وفوارة إلى "حالة شعورية"؛ فنحن نبحث عنها في كل نافذة نفتحها، وفي كل كاسة ماء باردة نشربها.
البحرة في سوريا هي الرئة التي يتنفس منها البيت. وما دامت البحرة صافية، كان البيت بخير. ونحن هنا، نحاول أن نجعل من كلماتنا بحرة صغيرة، تلطف أجواء الغربة، وتعيد لقلوبكم ذلك الصفاء الذي فقدناه في زحام الأيام، لنخبركم أن "الدار" لا تزال تنتظرنا، وأن الماء لا يزال يشتاق لوجوهنا.




