"رغيف التنور".. شمسٌ صغيرة تُخبز في تنور الروح

في قرانا السورية، لا يبدأ النهار مع منبهات الهواتف، بل مع رائحة الحطب الذي يشتعل في "التنور" وصوت العجين الذي يُضرب فوق "المخدة" القطنية قبل أن يلتصق بجدار الفخار الساخن. هناك منطق بشري في رغيف التنور لا تفهمه المخابز الحديثة ولا الآلات الصماء؛ إنه رغيف يُصنع بالصبر، ويُنضج بالحب، ويُؤكل بلهفة لا تبرد أبداً.

رغيف التنور السوري ليس مجرد قطعة عجين مستديرة، إنه "هوية". هل جربتم يوماً الوقوف أمام التنور في الصباح الباكر؟ تلك الحرارة التي تلوّح وجوه الأمهات، واليد الخبيرة التي تلتقط الرغيف وهو يرقص فوق النار، تحكي قصة بقاء سورية بامتياز.

"المنطق هنا يخبرنا أن البركة لا تأتي من كثرة الأشياء، بل من اللقطة التي تُغمس بزيت الزيتون والزعتر الحلبي وهي لا تزال ساخنة، حاملةً بداخلها فقاعات هواء تحكي أسرار الأرض."

في "سيريا توك"، ونحن نستحضر هذه الذاكرة، ندرك أن التنور كان دائماً "مضافة" مصغرة. حوله تجتمع النسوة، تُتبادل الحكايا، وتُحل المشاكل، وتُخبز "المحمرة" و"الفطاير" لتُوزع على المارة والجيران. "السكبة" التي تحدثنا عنها سابقاً تبدأ غالباً من هنا، من رغيف ساخن يُقدم للجار قبل أن يشبع أهل البيت. هذا هو التكافل السوري في أبهى صوره؛ الرغيف الذي يُقسم بين اثنين يصبح أشهى، والبيت الذي يفوح منه عطر التنور هو بيت لا يعرف الفقر أبداً.

اليوم، حتى في المدن المزدحمة، يبحث السوري عن "خبز التنور" كأنه يبحث عن قطعة من روحه الضائعة. قد نشتري أفخر أنواع الخبز "الإفرنجي"، لكن يبقى لرغيف التنور هيبته، بقعهه المحمرة، وقوامه الذي يتحدى الزمن. إنه يذكرنا بجذورنا التي لا تزال ضاربة في عمق التراب، ويخبرنا أن دفء العائلة يبدأ من هذه النار التي لا تنطفئ.

فلنجعل من "سيريا توك" تنوراً فكرياً، نخبز فيه حكايا أصيلة، ونوزعها بكل حب على كل من يمر ببابنا، عسى أن يجد في كلماتنا "رغيفاً" يشفي غليل حنينه، ويعيد إليه رائحة البيت والوطن.

```