حديث "الصوبيا".. كيف يسرق السوريون الفرح من قلب البرد؟

هل تذكر تلك اللحظة التي تدخل فيها إلى البيت، ولفحة الهواء البارد لا تزال عالقة على ثيابك، لتستقبلك رائحة قشور البرتقال المحمصة فوق المدفأة؟ تلك الرائحة ليست مجرد عبق عابر، بل هي "الهوية الشتوية" لكل بيت سوري، من القامشلي إلى درعا.

في سوريا، الشتاء ليس مجرد فصلٍ مناخي نقيسه بدرجات الحرارة أو بنشرات الأخبار الجوية؛ إنه حالة اجتماعية فريدة، اختبار سنوي لقدرتنا على صناعة الدفء من "اللاشيء". ورغم أن السنوات الأخيرة جعلت من البرد ضيفاً ثقيلاً في ظل شح الوقود وتقنين الكهرباء القاسي، إلا أن السوري لا يزال يمتلك تلك "الخلطة السرية" لتحويل المعاناة إلى سهرة دافئة.

"البطل الحقيقي في ليالينا هو الصوبيا. تلك القطعة الحديدية التي تتربع وسط الغرفة كملكة متوجة، تفرض قوانينها على الجميع. الجلوس الأقرب لها هو امتياز للأب أو الجد."

فوق سطحها المزدحم، تدور معركة صامتة ولذيذة: رغيف خبز يسخن هنا، كستناء تتشقق هناك، وإبريق المتة الذي لا يكل ولا يمل من الدوران بين الأيادي. وفي ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، تعود الحميمية القديمة لتفرض نفسها. تختفي الهواتف الذكية قسراً، وتعود "الحكواتي" للظهور في شخصية الجدة أو أحد الأعمام الظرفاء.

تُفتح دفاتر الذكريات، ونسمع قصصاً كررناها ألف مرة لكننا نضحك عليها وكأننا نسمعها للمرة الأولى. نلعب "التركس" أو "الليخة" على ضوء "اللدات" الخافت، ونكتشف أن وجوهنا أجمل بكثير بعيداً عن فلاتر الانستغرام وأضواء الشاشات الزرقاء.

هذا المقال ليس لتمجيد المعاناة، فالبرد قاسٍ وموجع، لكنه تحية لتلك الروح العنيدة فينا. الروح التي تجعل من كأس الشاي الساخن مع العائلة "انتصاراً" صغيراً على صقيع الخارج. لعلنا اليوم، ونحن نبني "سيريا توك"، بحاجة لتذكر هذا الدفء البشري. فمهما تطورت التكنولوجيا، يظل "حديث الصوبيا" هو السيرفر الوحيد الذي لا يسقط، والشبكة التي لا تحتاج لكلمة مرور، لأنها ببساطة.. موصولة بالقلب مباشرة.

```