في سوريا، وتحديداً في حاراتنا القديمة، لا تُقاس ثروة البيت بمساحته، بل بضخامة "الياسمينة" التي تتدلى من فوق أسواره. هناك منطق بشري عميق يربط السوري بهذه الشجرة؛ فهي ليست مجرد نبات للزينة، بل هي "فرد" من أفراد العائلة، تسمع الأسرار، وتشهد على الضحكات، وتواسي القلوب في الليالي الباردة.
في "سيريا توك"، ونحن نبحث عن خيوط الضوء وسط الركام، ندرك أن الياسمينة هي رمزنا الأسمى للصمود. فهي شجرة قد تبدو رقيقة، لكن جذورها ضاربة في عمق الحجر، وعطرها يزداد قوة كلما اشتد عليها القيظ. المنطق البشري هنا يخبرنا أن الجمال يمكن أن يولد من الصعاب، وأن الرقة هي أقوى سلاح في وجه القسوة. الياسمينة علمتنا أن "البياض" هو الخيار الأنقى، مهما تلوثت الأيام من حولنا.
نحن اليوم، ونحن الموزعون في شتات الأرض، نحمل "ياسمينة" صغيرة في قلوبنا. المغترب السوري يغمض عينيه في غربته، فيستحضر رائحة ياسمينة "أرض الديار" المبللة بماء الفجر، فيشعر للحظة أن المسافات تلاشت. هذه الزهرة هي "كلمة السر" التي تجمعنا؛ فمن شم عطرها مرة، صار قلبه دمشقياً للأبد، ومن زرعها في شرفة بيته الجديد، فقد أعلن انتماءه لتاريخ لا يُمحى.
فلنجعل من "سيريا توك" حوضاً للياسمين، نزرع فيه كلماتنا البيضاء، وننشر عبرها عطراً يصل إلى كل بيت سوري يفتقد للأمان. فالياسمين لا يخون أهله، ونحن لن نخون ذاكرتنا التي فاحت يوماً بالحب والسكينة.
